نجم الدين الكبرى
51
فوائح الجمال وفواتح الجلال
لم يزل محبّا بنفسه لنفسه ؛ كمال المحبة ، فالمحبة صفة الحق . فلا تخطئ في الاسم ، فإن العشق والمحبة أمر ! إنه لم يزل عالما بنفسه وناظرا إلى نفسه بنفسه ، لا يوجد انقسام في أحديته . ولما أراد - تعالى - أن يفتح كنز الذات بمفتاح الصفات ، تجلّى على أرواح العارفين بجمال العشق ، وظهر لهم بصفات خاصة ، وأنهم حصلوا في كل صفة لباسا ؛ فمن العلم علما ، ومن القدرة قدرة ، ومن السمع سمعا ، ومن البصر بصرا ، ومن الكلام كلاما ، ومن الإرادة إرادة ، ومن الحياة حياة ، ومن الجمال جمالا ، ومن العظمة عظمة ، ومن البقاء بقاء ، ومن المحبة محبة ، ومن العشق عشقا ؛ كانت كل هذه « هو » فبرز « هو » فيهم ، وأثّرت الصفات فيهم ، والصفة قائمة بالذات ، فأصبحت صفتهم قائمة من أثر ذلك ؛ لا يوجد من « الحلول » شئ في هذا العالم : العبد عبد والرّبّ ربّ « 1 » . فأصل العشق قديم ، وعشاق الحق قدماء ! عشقهم بالروح ، والعشق لبلاب الأرض القديمة الذي التفّ حول شجرة روح العاشق . والعشق سيف يقطع رأس الحدوث من العاشق « 2 » ، وهو ذروة قاعدة الصفات ، فما وصلتها روح العاشق إلا واستسلمت للعشق . وكل من صار معشوقا للحق ، وعاشقا للحق ، لا يستطيع النزول من تلك الذروة ، ويصير في العشق متحدا بالعشق ؛ ولما اتحد العاشق والمعشوق صار العاشق والمعشوق بلون واحد « 3 » ، وعندئذ يصبح العاشق حاكما في إقليم الحق . فعندما غلب عليه الحق ، أصبح قالب صورته جنانيّا ، ونفسه روحانية ، وروحه ربانية . العشق كمال من كمال الحق ، فإذا اتصل بالعاشق ، تحوّل من الحدوث المحض إلى الجلال الإلهى ، ويصبح باطنه ربانيّا ، ويطلب معدن الأصل ، ولا يتغير من حوادث الدهور وصروف الزمان وتأثير المكان ؛ فإذا بلغ عين الكمال ، تزول
--> ( 1 ) يقصد : رغم سطوح آثار الصفات وتجليها على العبد ، بحيث يصير ربانيّا ، إلا أن مراتب العبودية والربوبية لا تزال محفوظة ، وليس ثمة أي حلول . ( 2 ) الحدوث بمعنى « الخلقية » والقدم يعنى « الألوهية » . ( 3 ) سئل الجنيد عن المعرفة والعارف فقال : لون الماء ، لون إنائه !